سيد قطب

3521

في ظلال القرآن

تصور حقيقتها يقوم الإيمان الواعي المدرك البصير . وتبدأ السورة وتختم بتسبيح اللّه الذي له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم : فيتناسق البدء والختام ، مع موضوع السورة ، ومع دعوة المؤمنين للتقوى والخشوع والتفكر في تدبير اللّه الحكيم . والآن نسير مع النصوص القرآنية لنرى كيف تصور الأحداث ، وكيف تربي النفوس بهذه الأحداث . . « سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . . بهذه الحقيقة التي وقعت وكانت في الوجود . حقيقة تسبيح كل شيء في السماوات وكل شيء في الأرض للّه ، واتجاهها إليه بالتنزيه والتمجيد . . تفتتح السورة التي تقص قصة إخراج اللّه للذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ، وإعطائها للمؤمنين به المسبحين بحمده الممجدين لأسمائه الحسنى . . « وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . . القوي القادر على نصر أوليائه وسحق أعدائه . . الحكيم في تدبيره وتقديره . ثم يقص نبأ الحادث الذي نزلت فيه السورة : « هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ . ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ ؛ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ . وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » . ومن هذه الآيات نعلم أن اللّه هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر . واللّه هو فاعل كل شيء . ولكن صيغة التعبير تقرر هذه الحقيقة في صورة مباشرة ، توقع في الحس أن اللّه تولى هذا الإخراج من غير ستار لقدرته من فعل البشر ! وساق المخرجين للأرض التي منها يحشرون ، فلم تعد لهم عودة إلى الأرض التي أخرجوا منها . ويؤكد فعل اللّه المباشر في إخراجهم وسوقهم بالفقرة التالية في الآية : « ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ » . . فلا أنتم كنتم تتوقعون خروجهم ولا هم كانوا يسلمون في تصور وقوعه ! فقد كانوا من القوة والمنعة في حصونهم بحيث لا تتوقعون أنتم أن تخرجوهم منها كما أخرجوا . وبحيث غرتهم هذه المنعة حتى نسوا قوة اللّه التي لا تردها الحصون ! « فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا . وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ » . أتاهم من داخل أنفسهم ! لا من داخل حصونهم ! أتاهم من قلوبهم فقذف فيها الرعب ، ففتحوا حصونهم بأيديهم ! وأراهم أنهم لا يملكون ذواتهم ، ولا يحكمون قلوبهم ، ولا يمتنعون على اللّه بإرادتهم وتصميمهم ! فضلا على أن يمتنعوا عليه ببنيانهم وحصونهم . وقد كانوا يحسبون حساب كل شيء إلا أن يأتيهم الهجوم من داخل كيانهم . فهم لم يحتسبوا هذه الجهة التي أتاهم اللّه منها . وهكذا حين يشاء اللّه أمرا . يأتي له من حيث يعلم ومن حيث يقدر ، وهو يعلم كل شيء ، وهو على كل شيء قدير . فلا حاجة إذن إلى سبب ولا إلى وسيلة ، مما يعرفه الناس ويقدرونه . فالسبب حاضر دائما والوسيلة مهيأة . والسبب والنتيجة من صنعه ، والوسيلة